أعلنت الرياض وأنقرة وإسلام آباد عزمها إضفاء طابع رسمي على إطار دفاعي ثلاثي مشترك، لكن أهمية أي اتفاق في الشرق الأوسط لا تقاس فقط بأسماء الموقعين عليه، بل أيضًا بهوية الأطراف الغائبة عن الصورة. ويرصد الكاتب إنريكي فرنانديز دلالات ابتعاد مصر والإمارات عن «اتفاق مكة»، في ظل اتصالات مباشرة بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وما تحمله هذه الاتصالات من مؤشرات على تحرك دبلوماسي استباقي.
ونشرت أتالايار هذا التحليل للكاتب إنريكي فرنانديز موضحة أن القاهرة وأبوظبي تختاران دبلوماسية مرنة في مواجهة التحالف الثلاثي الجديد، الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان. ويطرح التقرير تساؤلًا حول ما إذا كانت القوة العسكرية الأكبر في العالم العربي قد استُبعدت من «اتفاق مكة»، أم أن عدم الانضمام الرسمي يمثل خيارًا محسوبًا يحقق لمصر مكاسب استراتيجية أكبر في إطار منظومة دولية تقودها قواعد الأمم المتحدة.
وعلى الورق، يجمع التحالف الثلاثي بين ثلاث قدرات رئيسية. توفر السعودية دعمًا ماليًا ضخمًا، تدعمه موارد صندوق الاستثمارات العامة البالغة نحو 750 مليار دولار، إلى جانب احتضانها أقدس المواقع الإسلامية.
وتملك تركيا قاعدة متنامية للصناعات الدفاعية قادرة على تحقيق صادرات أسلحة تتجاوز 5.5 مليار دولار، فضلًا عن امتلاكها منصات متطورة للطائرات المسيّرة، مثل «بيرقدار» و«أكينجي»، إلى جانب عقيدة عملياتية اكتسبت خبرة داخل حلف شمال الأطلسي «الناتو».
أما باكستان، فتقدم جيشًا عاملًا قوامه نحو 650 ألف فرد، إلى جانب قوة ردع استراتيجية تتمثل في ترسانة نووية تُقدّر بأكثر من 170 رأسًا نوويًا، مع خضوع جوانب من أنشطتها النووية للرقابة الدولية.
لكن التركيز على الدول الموقعة وحدها يتجاهل نقاطًا جوهرية من الضعف والانقسام. فغياب دول رئيسية يطرح تساؤلات حول ما إذا كان المحور الثلاثي يمثل قوة ردع إقليمية شاملة، أم أنه يعكس انقسامات هيكلية داخل العالم الإسلامي الأوسع.
القاهرة.. استبعاد محسوب وعقيدة متعددة الاتجاهات
يبدو غياب مصر عن الاتفاق مفارقة واضحة، فهي الدولة التي تشرف على قناة السويس، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والتي يمر عبرها نحو 10% من التجارة البحرية العالمية ونحو 20 ألف سفينة سنويًا وفق قواعد المنظمة البحرية الدولية، كما تمتلك أكبر قوة عسكرية تقليدية في جامعة الدول العربية، قوامها نحو 440 ألف جندي عامل وأكثر من 4 آلاف دبابة قتال رئيسية.
لكن تفسير هذا الغياب يرتبط بنهج السياسة الخارجية الذي تبناه رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي على مدى عقد، والقائم على تجنب الالتزامات التي تربط مصر بكتل جيوسياسية جامدة.
وقال المتحدث باسم الرئاسة المصرية أحمد فهمي، عقب مشاورات ثنائية حديثة مع الرياض، إن مصر تبني علاقاتها الخارجية على التوازن الاستراتيجي وترفض بقوة الانضمام إلى أحلاف حصرية تزيد الاستقطاب الإقليمي.
وقد يؤدي انضمام القاهرة إلى بند ملزم للدفاع الجماعي مع أنقرة وإسلام آباد إلى فرض التزامات عملياتية عليها في ساحات خارجية لا تحقق عائدًا ملموسًا لأولوياتها الداخلية، خصوصًا في ظل اقتراب أعباء الدين الخارجي من 160 مليار دولار، إلى جانب القيود الحادة على العملات الأجنبية التي تديرها القاهرة في إطار ترتيباتها مع صندوق النقد الدولي.
وهنا يبرز سؤال أساسي: هل تستطيع القاهرة تعقيد علاقاتها مع الدائنين السياديين الرئيسيين مثل بكين، أو مع موسكو التي تعد موردًا رئيسيًا للحبوب، أو مع واشنطن التي تقدم لها 1.3 مليار دولار سنويًا من التمويل العسكري الأجنبي عبر وزارة الدفاع الأمريكية؟
وببقائها خارج التحالف، لا تخسر القاهرة دعم الرياض الأساسي. فما زالت السعودية تنظر إلى مصر باعتبارها وسيطًا لا غنى عنه في مفاوضات وقف إطلاق النار في غزة، وحاجزًا أمنيًا مهمًا على الحدود الليبية، وشريكًا رئيسيًا في التعامل مع الانهيار المستمر في السودان.
ويتيح هذا الواقع تنسيقًا عمليًا دون قيود قانونية ملزمة؛ إذ تستطيع مصر الحفاظ على تقاربها الوثيق مع الرياض دون إفساد علاقاتها مع القوى الدولية الأخرى.
أبوظبي.. دبلوماسية مرنة واقتصاد جيوسياسي
بينما يعكس الموقف المصري سياسة تحوط استراتيجي محسوبة، يجسد موقف الإمارات تفضيلًا واضحًا للدبلوماسية الجيو-اقتصادية والترابط الإقليمي على حساب الأحلاف العسكرية التقليدية.
وتمتلك دولة الإمارات منظومة عسكرية متطورة تكنولوجيًا وقدرات عملياتية أثبتت فاعليتها، إلى جانب موقع جغرافي بالغ الأهمية بين مضيق هرمز والقرن الإفريقي. ولا يعكس ابتعادها عن «اتفاق مكة» ضعفًا، بل يعبر عن استراتيجية هيكلية تسعى إلى تجاوز منطق الأحلاف الذي ساد سياسات القرن العشرين داخل مجلس التعاون الخليجي.
وقال المستشار الدبلوماسي الإماراتي البارز أنور قرقاش، خلال قمة أمنية إقليمية حديثة، إن مستقبل الأمن في المنطقة لم يعد يقوم على الخنادق العسكرية أو معاهدات الدفاع المغلقة، بل على الرخاء المشترك والترابط الاقتصادي والتكنولوجيات المتقدمة.
وتعطي الرؤية التي يقودها الرئيس الإماراتي محمد بن زايد آل نهيان الأولوية لشبكات التجارة العابرة للقارات، ومن أبرزها الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، الذي يربط الهند بالاتحاد الأوروبي، إلى جانب تبني حياد دبلوماسي نشط يتماشى مع قواعد منظمة التجارة العالمية.
وبدلًا من البحث عن مظلة حماية عبر اتفاقات دفاع جماعي متعددة الأطراف، تركز أبوظبي على اتفاقات الشراكة الاقتصادية الثنائية الشاملة، وتعزز اندماجها التجاري مع القوى الآسيوية، مثل نيودلهي، وتؤدي دورًا نشطًا في الوساطة بشأن عمليات تبادل الأسرى وفتح الممرات الإنسانية.
ولا يعني الامتناع عن توقيع الاتفاق الثلاثي عزل الإمارات؛ بل يحافظ على حرية تحركها العملياتية الكاملة لحماية طرق الملاحة التجارية عبر خليج عدن ومضيق باب المندب، دون إخضاع قيادتها الوطنية لمجلس عسكري خارجي.
حذر إيراني واضطراب استراتيجي في إسرائيل
خارج العالم العربي، أثار التحالف العسكري الناشئ مخاوف استراتيجية كبيرة. ففي طهران، تدرس الأوساط المعنية التطورات الجديدة بقدر كبير من التدقيق. ورغم بقاء اتفاق تطبيع العلاقات السعودية الإيرانية الذي رعته بكين عام 2023 قائمًا من الناحية الرسمية، تنظر الجمهورية الإسلامية بحذر شديد إلى إدخال المعدات العسكرية التركية والعقيدة الاستراتيجية الباكستانية إلى مسرح الخليج.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إن طهران تراقب عن كثب أي مبادرة تسعى إلى عسكرة المنطقة، مؤكدًا أن الأمن ينبغي أن يظل من اختصاص الدول المطلة على المنطقة دون تدخل خارجي، في موقف يتوافق مع تصريحات وزير الخارجية عباس عراقجي.
ورغم تأكيد الدول الموقعة أن التحالف لا يستهدف دولة بعينها، يرى مخططون أمنيون إيرانيون أن الاتفاق يهدف إلى تعزيز حماية منشآت استخراج النفط وتكريره التابعة لشركة أرامكو، وموازنة القوى والجهات الإقليمية المرتبطة بطهران.
وتبدو التداعيات الاستراتيجية أكثر إرباكًا بالنسبة إلى إسرائيل. فقد بنت تل أبيب لسنوات خططها العملياتية على افتراض إبرام اتفاق تطبيع تاريخي مع الرياض، يستند إلى مظلة أمنية أمريكية يجري تنسيقها عبر البيت الأبيض، إلى جانب وصول مميز إلى منظومات الدفاع والاستخبارات السيبرانية الإسرائيلية.
لكن انضمام تركيا، التي تتبنى قيادتها برئاسة رجب طيب أردوغان موقفًا عدائيًا تجاه حكومة بنيامين نتنياهو، إلى جانب قوة الردع التي توفرها الترسانة الاستراتيجية الباكستانية، يقلب هذه الافتراضات.
وعلى إسرائيل أن تدرك أن السعودية تبني منظومة دفاعية متنوعة لا تعتمد على الاندماج العسكري الإسرائيلي ولا على التقدم الفوري في مسار اتفاقات أبراهام.
وفي الأشهر المقبلة، سيحدد المسار العملي لـ«اتفاق مكة» ما إذا كان الشرق الأوسط يتجه نحو نظام إقليمي متعدد الأقطاب وأكثر توازنًا، أم نحو مزيد من الاستقطاب.
فإذا تحول التحالف إلى كتلة جامدة وحصرية تتضمن آليات تلقائية للتدخل المتبادل، فمن غير المرجح أن يجذب عضوية عربية أوسع، كما قد يزيد من حدة عدم الاستقرار الإقليمي.
أما إذا عمل الاتفاق باعتباره إطارًا مرنًا يركز على التكامل بين الصناعات الدفاعية والمناورات المشتركة والردع الاستراتيجي، فسيسمح للاعبين رئيسيين مثل مصر وشركائها في الخليج بالتعاون معه بصورة ظرفية وفقًا للتحديات الإقليمية.
وتظهر المشاورات الثنائية الأخيرة بين ولي العهد السعودي ورئيس الانقلاب المصري أن الاستقرار لا يمكن فرضه عبر أحلاف إقصائية. ففي الشرق الأوسط، قد تبرم ثلاث قوى اتفاقًا دفاعيًا، لكن الأمن الشامل يتطلب عدم عزل أي طرف رئيسي إلى الحد الذي يؤدي فيه غيابه إلى إرباك منظومة التوازن الإقليمي بأكملها.
https://www-atalayar-com.cdn.ampproject.org/v/s/www.atalayar.com/en/articulo/politics/why-egypt-and-the-uae-are-distancing-themselves-from-the-new-military-alliance-between-saudi-arabia-turkey-and-pakistan/20260907110000228999.amp.html?amp_gsa=1&_js_v=a9&usqp=mq331AQIUAKwASCAAgM%3D#amp_tf=From%20%251%24s&aoh=17887886009422&referrer=https%3A%2F%2Fwww.google.com&share=https%3A%2F%2Fwww.atalayar.com%2Fen%2Farticulo%2Fpolitics%2Fwhy-egypt-and-the-uae-are-distancing-themselves-from-the-new-military-alliance-between-saudi-arabia-turkey-and-pakistan%2F20260907110000228999.html

